الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
292
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
المجيء وفي صورة عدم مجيئه يكون الحكم فيهم مسكوت عنه بتلك الملاحظة أيضا فإن التقييد بالصفة أنما هو في صورة المجيء خاصة وربما يعزى إلى البعض دلالة مفهوم الشرط حينئذ على انتفاء الحكم عنهم مطلقا مع انتفاء الشرط فإن ثبت القول به فهو موهون جدا هذا إذا كان التقييد بالمتصل وأما إذا كان بالمنفصل فهل يقضي ذلك باعتبار التقييد في المفهوم أيضا وجهان من إطلاق ظاهر اللفظ فيكون المفهوم أيضا غاية الأمر قيام الدليل على تقييد المنطوق فيقتصر عليه أخذا بمقتضى الإطلاق في غير ما قام الدليل على التقييد ومن أن المفهوم تابع للمنطوق فإذا كان المنطوق مقيدا في الواقع تبعه المفهوم في ذلك وكان هذا هو الأظهر ولو خص العام في المنطوق يقضي ذلك بتخصيص المفهوم أيضا إلا أنه يثبت في المنطوق للمستثنى خلاف حكم المستثنى منه وفي المفهوم لا يثبت له خلاف حكمه بل المستثنى هناك مسكوت عنه إذ الاشتراط المذكور إنما يثبت للمستثنى منه فيفيد نفي ذلك الحكم الثابت للباقي عند فقدان الشرط المفروض ولا يسري الاشتراط إلى المستثنى حتى يفيد نفي الحكم الثابت له عند فوات ذلك الشرط وهو ظاهر ويجري في التخصيص بالمنفصل ما ذكرناه في التقييد به سادسها أنه ذكر بعضهم لحجية مفهوم الشرط وغيره شروطا الأول أن لا يكون ثبوت الحكم في غير محل النطق أولى أو مساويا لمحل النطق كما في قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق وقولك إن ضربك أبوك فلا تؤذه الثاني أن لا يكون الحكم واردا مورد الغالب كما في قوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم وقول الصادق عليه السلام في الصحيح يجوز شهادة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها إذا كان معها غيرها وفي الأحكام أنه اتفق القائلون بالمفهوم على أن كل خطاب خصص محل النطق بالذكر فخروجه مخرج الأعم الأغلب لا مفهوم له وقريب منه ما في المستصفي وعن بعض شروح المبادي حكاية الاتفاق عليه وذكر في النهاية في مفهوم الوصف أنه إذا خرج التقييد مخرج الأغلب فإنه لا يدل على النفي اتفاقا كما في قتل الأولاد فإنه غالبا لخشية الإملاق ويظهر من نهاية المسؤول وجود الخلاف فيه فإنه بعد ما ذكر أن ذلك هو المعروف قال ونقله أمام الحرمين في البرهان عن الشافعي ثم خالفه وكيف كان فكان الوجه فيه أنه لما كان الإطلاق منصرفا إلى الغالب وكان ذلك الشرط أو الوصف حاصلا له في الغالب كان الشرط أو الصفة مساويا للمشروط والموصوف وحينئذ فلا يراد بهما إفادة التخصيص وإنما يراد بهما نكتة أخرى غير الانتفاء بالانتفاء وعلله بعض الأفاضل بأن النادر هو المحتاج إلى التنبيه والأفراد الشائعة حاضرة في الأذهان عند إطلاق اللفظ المعزى فلو حصل احتياج في الانفهام من اللفظ فإنما يحصل في النادر فالنكتة في الذكر لا بد أن تكون شيئا آخر لا يخصص الحكم بالغالب وأنت خبير بأن مجرد ما ذكره لا إشعار فيه إلى دفع المفهوم وعدم إرادة الانتفاء بالانتفاء وليس المقصود بالتقييد المفروض بيان دلالته على ثبوت الحكم في محل القيد حتى يقال بعدم الاحتياج إليه مع ورود القيد مورد الغالب نظرا إلى الاكتفاء فيه بالإطلاق بل المقصود بناء على اعتبار المفهوم انتفاء الحكم عن غير مورد القيد أعني المفرد النادر لا المسكوت عنه ولا إشعار في الوجه المذكور بخلافه حتى يلزم أن يكون النكتة في الذكر شيئا آخر كما لا يخفى الثالث أن لا يكون التقييد لأجل وقوع السؤال عنه كما إذا قيل أكرم زيدا إن جاءني فتقول أكرمه إن جاءك أو هل في الغنم السائمة زكاة فتقول في الغنم السائمة زكاة وبمنزلة تقدم السؤال ما إذا ورد ذلك عند وقوع الواقعة الخاصة أو نحو ذلك من الأسباب الباعثة على تخصيص الذكر إذ لا دلالة إذن في ذلك على انتفاء الحكم بانتفائه وأنت خبير بأن مرجع هذه الشروط إلى أمر واحد وهو عدم قيام شاهد على عدم إرادة الانتفاء بالانتفاء بحيث يخرج العبارة بملاحظته عن ظهورها في ذلك سواء ظهر منه خلافه أو تساوى الأمران لخروجه بذلك عن إفادة الانتفاء بالانتفاء وهو بناء على ما استظهرناه من ظهور التعليق في ذلك من غير أن يكون اللفظ موضوعا لخصوص ما ذكر ظاهر إذ ليس الظهور المذكور إلا من جهة الإطلاق فإذا رجح عليه الظهور الحاصل من ذلك زال الأول ولزم الأخذ بالثاني ولو تعادلا لزم الوقف بينهما لانتفاء الظهور وأما على قول من يجعل الدلالة وضعية فتلك قرينة صارفة له عما وضع له إن كان صرفه عنها على سبيل الظهور لما عرفت من الاكتفاء به في الصّرف وأما مع التساوي فلا تكون صارفة عن الحمل عليه إلا أنها يجعله دائرا بين الوجهين محتملا للأمرين فلا يمكن الحكم بإرادة الحقيقة وقد عرفت فيما مر أن قرينة المجاز قد تعادل ظهور اللفظ في الحقيقة فيتوقف في الحمل كما هو الحال في المجاز المشهور عند قوم وكيف كان فلا حاجة في المقام إلى اعتبار الشرط المذكور إذ المقصود ظهور اللفظ في إفادة المفهوم مع انتفاء القرينة وهو لا ينافي انتفاء الظهور لقيام القرينة على خلافه سابعها أنه لو علق أمورا على الشرط فإن كانت تلك الأمور مذكورة بلفظ واحد فالظاهر إناطة المجموع بذلك الشرط فيكون مقتضى المفهوم انتفاء المجموع بانتفائه الحاصل برفع البعض إلا أن يظهر من اللفظ أو الخارج إناطة الحكم في كل منها بالشرط كما في قولك إن جاءك زيد فأكرم العلماء فإن الظاهر كون المفهوم منه عدم وجوب إكرام العلماء عند انتفاء المجيء وهو ظاهر في عدم وجوب إكرام أحد منهم وإن كان رفع الإيجاب الكلي حاصلا بالسلب الجزئي فالظاهر من اللفظ في المقام حصوله بالسلب الكلي والوجه فيه ما قررناه من ظهوره في إناطة الحكم في كل من الآحاد بالشرط المذكور وإن كانت مذكورة بألفاظ متعددة فالظاهر إناطة كل منها بالشرط المذكور فينتفي كل منها بانتفائه إلا أن تقوم في المقام قرينة على إناطة المجموع به فلا يفيد مفهومه حينئذ ما يزيد على انتفاء البعض ثامنها أنه لو علق الأمر بشيء على كل من شرطين فإن صح فيه التكرار فالظاهر من تكرار الأمر تعدد المطلوب فينتفي كل منها بانتفاء شرطه وإن لم يصح فيه التكرار أو قام الدليل على كون المطلوب شيئا واحدا احتمل القول بتوقف حصوله على الشرطين معا لدلالة كل من التعليقين على توقف الأمر على حصول ذلك الشرط فإذا أخذ بهما لزم القول بتوقفه على حصولهما فيكون كل منهما مقيدا لإطلاق الأمر وفيه ما لا يخفى والحق أن يقال إن قضية الجمع هو البناء على توقف الأمر على أحد ذينك الشرطين فيحصل التكليف بحصول أي منهما وقضية منطوق كل منهما حصوله بحصول ذلك الشرط وقضية مفهومه انتفاؤه بانتفائه فيكون منطوق كل منافيا لمفهوم الآخر فيقيده تقديما لجانب المنطوق على المفهوم تاسعها أنه ذكر صاحب الوافية أن ثمرة الخلاف في المفهوم إنما تظهر فيما إذا كان مخالفا للأصل كما إذا قيل ليس في الغنم زكاة